عبد الملك الخركوشي النيسابوري
192
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال الجنيد لأبى حفص : أدّبت أصحابك أدب السلاطين ، فقال : لا يا أبا القاسم ، ولكن حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن . وقال : حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن . وقال ابن عباس رضى اللّه عنه : كلّ الأدب معرفة حقوق اللّه تعالى في النّعم والنّقم . وقال يوسف بن أسباط : من علامة الأدب صيانة النفس عند الكلام ، خوفا من الزّلل ، وترك الابتداء من نفسه ، حتى يبدأ فيه ، والصبر على من يتكلم ، حتى يفرغ ، وإعطاء الجليس حظه من الكرامة ، وترك مدّ الرجلين عند جلسائه ، والسكوت عند نطق المشايخ إجلالا لهم ، ووزن الكلام في القلب قبل افتتاحه . وقال كلثوم العتابي : الأدب أدبان ؛ أدب قول ، وأدب فعل . فمن وفّق في أدب القول عدم ثواب العمل ، ومن تقرب إلى اللّه عزّ وجلّ بأدب الفعل منحه محبة القلوب . - وسئل سهل عن أدب النفس ، فقال : الأدب هو السنة . فأدبوا أنفسكم بثلاثة أشياء : لا تتركوها تجالس الغافلين الذين يخوضون في حديث الدنيا ، ولا تتركوها تأخذ مهناها من النوم والأكل والشرب ، وكل هذا إذا أرادت منكم المعصية ، وأطعموها من الحلال ما شاءت ، واتركوها تنام من الليل ما أحبت . وقال عبد اللّه بن المبارك : قد قال الناس في الأدب فأكثروا ، ونحن نقول : هو في معرفة النفس . وقيل : الأدب رياضة النفس ، وهو أن يخرجها على أحكام اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . وعن الشّبلىّ قال : الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب ، وترك الأدب يوجب الطرد . وقال ذو النون : العارف يحسن معاشرة الخلق ، يقتدى بأدب اللّه تعالى ، لأنّ أدب العارف فوق كل أدب ، لأن معروفه مؤدّب قلبه . - وسئل أبو سعيد الخراز عن الإرادة ، فقال : حسن الأدب وجمع الهمة . وقال بعض مشايخ نيسابور لبعض جلسائه : يا أبا فلان أتدري ما يقول الحق ؟ فقال : لا ، فقال : يقول الحق : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتى ، ألزمته الأدب ، ومن كشفت له حقيقة رؤية سواي ، ألزمته العطب فاختر أيهما شئت : العطب أو الأدب . وقال أبو علي الروذباري : النفس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور بملازمة